Tuesday, September 18, 2012

الفن الملتزم في التشكيل السوري ضمن مجموعة متحف فرحات

ممدوح قشلان, مجموعة متحف فرحات 

   "مهمة الفن هي إغناء التراث الإنساني بتلميحات إبداعية مهما صغرت فهي ذات أهمية      عظيمة في بناء الغد, لأن الفن هو إضافة أحاسيس جديدة إلى التراث الإنساني."
 مما ذكر في مانيفست - بيان فني للحركة التشكيلية في سورية 1962
    إن الفن التشكيلي السوري يتسم بصفات عدة فبالرغم من إنه مفتوح على التجارب 
العالمية لكنه يتمتع بخاصية تعبيرية إيديولوجية,لقد ساهم الصراع الصهيوني العربي بالتأثير على المستويات الإنسانية الإبتكارية في العالم العربي, وفي أعمال الفنانين التشكيليين السوريين على وجه الخصوص,ذلك مع تنوع التجارب والخاصيات الإبداعية والأساليب بين فنان وأخر, على هذا المستوى من الإنتاج يمتلك متحف فرحات مجموعة مميزة من الفن السوري المعاصرالذي يملك طابع الإلتزام.  
   يعتبر الفنان ممدوح قشلان (أحد فناني المجموعة) واحدا من المنتجين الذين لم ينقطعوا عن العطاء خلال نصف قرن تقريبا, وهو صاحب أسلوب خاص به , تعلق بالإتجاه التكعيبي ووجد في تحليل الطبيعة إلى أشكال هندسية مادة للتزيين وأساسا رياضيا سهل عليه تقديم الطبيعة للمشاهدين. وحرص حسب منهجه التكعيبي على تحليل الطبيعة الى أساسها الهندسي بمفرداته القليلة ثم إعادة تركيبها على هواه.فهو يقرأ في الطبيعة الكتل الرئيسية ويفرز الكتل الفرعية الى قيم جمالية مكملة.

علي السرميني, مجموعة متحف فرحات 


   في لوحته "ثمن النصر في جنوب لبنان" التي نفذها في الملتقى الفني التشكيلي في الخيام في ذكرى تحرير جنوب لبنان سنة 2002 مثل الفنان في هذا العمل أساليب التعذيب الوحشية التي مارسها السجانين ليذكرنا بأيقونات المسيح المصلوب وقد قدم ممدوح قشلان أطراف الأجسام في جداريته حسب قطوع هندسية أطر بها وحدات التكوين, كما شغل المساحات الفارغة كالمدى والسماء وخطوط الفرار برصف الأشكال الهندسية الملونة.وصرف هذا المنحى الزخرفي الفنان عن الدخول الى عوالم التعبيريين والاستغراق في العوالم النفسية.
   أما الفنان علي السرميني فمنذ البدايات الأولى لتجربته الفنية في الستينات برزت الواقعية التعبيرية في أعماله التي يبرز فيها الخط ليجعل تأليف اللوحة متماسكا ضمن عوالم الألوان المرمدة في فضاء لوحاته.
   تمتلك مجموعة متحف فرحات أربعا من أعماله التي نفذها أيضا في معتقل الخيام في لبنان ,منها لوحة "شمس النصر"التي تعبر عن الحرية والانتصار ببساطة تأليفية تجمع مفردات طبيعية مع الشهداء والقدس الجريحة  من خلال اللون الاحمر. أما لوحته "الهمجية" فقد جسدت الأعمال الإرهابية التي يمارسها الإسرائيلون ضد الإنسان العربي من قتل للناس وتدمير للمنازل وإنتهاك القيم الروحية الانسانية .

علي سليمان , خيبر , مجموعة متحف فرحات 


   عبر الفنان علي سليمان من خلال أربعة أعمال عن العزة والكرامة التي أنتجها تحرير جنوب لبنان سنة 2000 عبر الألوان الزاهية والتأليف المبسطة فليس أبسط من التعبير عن "الشهيد بالنور" من اللون الأبيض الملون الذي طغى على اللوحة حيث عبر عن انتقال الشهيد الى نور السماوات في عالم الخلود. هذه اللحظة التي تعجز عنها التاّليف والألوان فالتجريد هو سيد الموقف والإحساس .
   توجد في لوحات اﻟﻔﻨﺎن اﻟﺘﺸﻜﯿﻠﻲ اﻟﺴﻮري طﻼل ﻣﻌﻼ حالات توحي بالشاعرية، إذ إنه يرى أن الشعر والشعرية أمران مختلفان, يقول الفنان  “الشعرية هي القدح في الإبداع أما الشعر، فهو ما تعارف الناس عليه أنه كلمات وقصائد، والشعر والكلمة لهما دور في حياتي كما الرسم واللون، ولي ديوان اسمه “موت الماء”  الماء الذي خُلقَ منه كل شيء حي، وهو مجموعة قصائد عن الموت، لم أنشر بعدها، ليس لأني توقفت عن كتابة الشعر، فأنا لم أتوقف لكنني توقفت عن نشر الشعر لأنني أردت أن أكّرس كل الاهتمام للتشكيل والكتابة التشكيلية فقط”
   ففي لوحتيه المقتناتين من قبل متحف فرحات يعبرالفنان عن الشهادة «كنا نرسم ورائحة البشر وعذاباتهم ما زالت في الزنزانات» , لقد ظهر الانسان المبسط في لوحات الفنان عبر الألوان الصافية والصارخة وعبر ضربات ريشة قوية ومتينة ليبرز الأحمر والأسود من فضاء الرماديات الملونة , ربما ليعبرعن الحالة الوجودية بين الحياة الدنيا الفارغة من السعادة الحقيقة والحياة الأخرى التي تمثل البقاء الحقيقي والسعادة الروحية الحقيقة للوجود الإنساني.

طلال معلا , مجموعة متحف فرحات 

  
 في الختام ,إن الفنان مسؤول مسؤولية حضارية عن اللونين الفيزيائي والجماعي اللذين تعكسهما الشمس على تراب بقعة معينة يعيش فوقها, لأنها من منابع إغناء التراث الإنساني, فالفنان العربي مسؤول عن التعبير عن الروح العربية المتطلعة لمد الإنسانية بالقيم والمثل.
سمية عيتاني