Sunday, March 3, 2013

المرأة العربية في لوحات المستشرقين: من أسطورة ألف ليلة وليلة الى الواقع


ليوبارد ميولر Leopold Carl Müller (1834 - 1892)
مجموعة متحف فرحات Farhat Art Museum Collection

 أنجز أنطوان غالان أول ترجمة لكتاب ألف ليلة وليلة إلى الفرنسية في العام 1704، وحتى تاريخه،  أثرت هذه الترجمة على العوامل التي أدت إلى تفتح عين الغرب على الشرق.
 كما أن أهم المظاهر والوسائل التي ساهمت بتسريع هذا الاهتمام، كانت المسرحيات، والحفلات، والأزياء، والفنون الحرفيّة، وغير ذلك من الفنون التي عبرت إلى أوروبا من الشرق..
من جانب آخريعتبر الكاتب لين ثورنتن Lynn Thornton  مؤلف كتاب "النساء في لوحات المستشرقين" أن "ألف ليلة وليلة" بداية القرن العشرين أطلقت ثورة جديدة باتجاه الشرق، عندما قام عالم البصريات إدوارد لين بوضع ترجمة رصينة لهذه القصص إلى اللغة الإنجليزية بين سنتي 1838 ـ 1840.
وتبعه بعد ذلك المستعرب ريتشارد بورتونRichard Borton  الذي وضع ترجمة لتلك القصص مرة أخرى، بطريقة رائعة ومفعمة بالأحداث الشهوانيّة. وهذا ما تسبب لدى نشره سنة 1885، بإحداث ضجة بين الأوروبيين.
وفي بداية القرن التاسع عشر، بدأت أعداد الأوروبيين الذين يسافرون إلى الشرق الأوسط، تتزايد
 فشدوا الرحال من مختلف البلدان الغربية إلى الشرق بحثا عن موضوعات ومناظر جديدة وآفاق غير مكتشفة يستلهمونها في لوحات جميلة لقيت نجاحا كبيرا في أشهر المعارض الدولية




يقول أحد الفنانين المستشرقين : 
يا له من جمال، يا له من سحر آسر، يا لها من ملابس، خشيت أن يعتقد دليلي "الترجمان" أنه أصابني مس من الجنون. الحقيقة أني كنت مذهولا من كل ما هو مدهش و جديد أمامي، و مقتنعا أني وجدت نفسي على أرض بكر، و بأن هؤلاء الناس لم يسبق أن رسمهم أحد.
احتلت المرأة الشرقية  حيز إهتمام المستشرقين، منذ بدء الغزو الاستعماري الغربي للشرق، فقد شُغف الغربيون بموضوعين مترابطين هما : الحجاب والحريم.
 تقول جودي مابرو Judy Mabro. مؤلفة كتاب تصورات الرحالة الغربيين عن النساء في "الشرق الأوسط":
"والحال أن أوروبا قد سحرت بالحجاب والحريم ونفرت منهما في آن واحد، فقد عمل هذا الرمزان من جهة أولى، على الحيلولة بين المراقب الأوروبي ورؤية النساء أو الاتصال بهن مما أيقظ لديه مشاعر الإحباط والسلوك العدواني. أما من جهة ثانية فقد وفر فرصة الجموح بالخيال والتلويح بتجارب غريبة وشهوانية مع (الجميلة المتحجبة) و(درة نساء الشرق)".
وتتابع أن الغربيين شعروا بالعداء تجاه الحجاب:
"هؤلاء النسوة المحجبات لم يكن بالنسبة للمصور لغزاً محيرا وحسب، بل كن أيضاً بمثابة هجوم صريح عليه، ولا بد من الاقتناع بأن النظرة الأنثوية المحدقة من خلال الحجاب هي نظرة من نوع خاص فهي إذ تركزها من الفتحة الضيقة المخصصة للعين، تشبه عين آلة التصوير، أو العدسة التي تجعل من كل شيء هدفا لها".
رد المستشرقون على امتناع المرأة الشرقية هذا بمحاولة التلصص من وراء الأبواب لذلك نراهم مهووسين بتصوير النساء في مخادعهن وبوضعيات حميمية وبأوضاع جنسية رغم أن أغلبهم لم يشاهد امرأة شرقية ولم يدخل مخدعها أبداً.
لقد دأبت اللوحات الاستشراقية على تصوير النساء و هن لا يفعلن شيئا، أو يقمن بأي عمل _على عكس الغربيات في لوحات الفن الغربي_ فهؤلاء الشرقيات لا ينهمكن في تطريز أو طبخ أو حياكة أو صلاة أو أي شيء، بل كل ما يفعلنه هو التزين للذكر الغائب و الانتظار


George Rochegrosse جورج روشغروس
Farhat Art Museum مجموعة متحف فرحات
في  لوحة جورج روشغروس  George Rochegrose (1859-1938) تبدو النساء كقطع نفيسة من الأثاث، بحاجة للتنظيف والتزيين كي تكون جاهزة للاستعمال في أي وقت, تعرض هذه اللوحة أحد التجار العرب الذي يعرض إمرأتين عاريتين للبيع من وراء ستار بهدف البيع للغريب والأجنبي. إن هذه اللوحات لا تعطي انطباعا بأن هذه المرأة مخلوق إنساني يحمل روحا أو عقلا, هي مجرد دمية أو تمثال جميل يمكن إقتناءه.
إن المصورين المستشرقين قد نشأوا في مجتمع يعتبر النساء مجموعة هامشية تماما، بل إنهن بحسب النظريات العلمية التي سادت في ذلك العصر أدنى مرتبة من الناحية البيولوجية. و لكن المرأة الشرقية كانت أدنى بشكل مضاعف فهي امرأة أولا و أجنبية (شرقية) ثانيا.
إن المفهوم الجنسي ارتبط بهؤلاء الأجنبيات اللواتي اعتبرن حسب الرؤية الغربية مجرد أجساد خالية من أي وازع أخلاقي و مجرد متاع، و كانت هذه اللوحات عذرا لتبيان دونية المرأة بشكل عام دون حرج و كما يشتهي أن يراها الذكور الأوروبيون.


لويس أف كوررياد   Louis F. Correard 1815-1858

لقد كانت المشاعر الأوروبية حيال المرأة الشرقية  لا تستقر على حال، إذ كانت تجول بين الرغبة و الشفقة ، و كانت تُصور في كثير من الأحيان على أنها ضحية مقهورة معذبة مضطهدة. ففي لوحتي الفرنسي لويس أف كورريارد   Louis F. Correard (1815-1858) تظهر مبادلة تجارية بين جندي فرنسي ومواطن جزائري , العربي هنا يبيع فتاة جزائرية مقابل حفنة من الأنعام والبيض ويظهر الفرنسي بصورة المواسي والحنون ,وقد علت وجه الحسناء البريئة نظرة مستكينة حزينة رقيقة مشيحة عن التحديق المباشر،عيناها الكسيرتان تهربان من المواجهة وتشيان بالحزن العميق والخضوع المستسلم. هي برأيه أنثى شرقية، و هذا يعني استكانة و ضعف لا نهاية لهما. و لوحة كهذه و سابقتها من شأنها أن تجعل الخيال يشطح بالأوروبي فيتوهم أن المرأة الشرقية ترى فيه منقذها و سندها العاطفي. و هذا ما يتماشى مع نظرة الأوروبي لنفسه بأنه بطل رومانسي.

روجر دايفيس Roger Davis 

إن مثل هذه الإيحاءات تعطي الحجة التي يُقنع بها الأوروبي نفسه بأنه إنما خُلق ليحكم الشرق و يحرر المضطهدات و يمنحهن كل احترام و تبجيل كما ينبغي لأوروبي فارس محترم شهم جنتلمان.
لكن من المؤسف أيضا أن الرجل العربي يتباهى بإقتناء هذه الأعمال الفنية حتى يومنا هذا, التي تظهر الرجل العربي كبربري جاهل والمرأة العربية ككائن ضعيف مسخر لعبادة الرجل وشهواته  وذلك بهدف تزيين القصور والفيلات ويتم دفع ملايين الدولارات لحيازتها
 يذكر إدوارد سعيد حينما شرح قول أحد المستشرقين "بأن الشرق صنعة"، لقد قصد إلى أن الاهتمام بالشرق سيجده اللامعون من الشباب في الغرب شبوبا عاطفيا يستغرق المرء بصورة كلية؛ ولا ينبغي أن يـُفسّر ما قاله بأنه يعني أن الشرق صنعة و حسب للغربيين. لقد كان ثمة، و ما يزال، ثقافات، و أمم مقامها الشرق، و لحياتها، و تواريخها، و عاداتها، حقيقة قاسية عارية هي، بوضوح، أعظم بكثير من كل ما يمكن أن يقال عنها في الغرب و لكن ينبغي على المرء ألا يفترض أبدا أن بنية الاستشراق ليست سوى بنية من الأكاذيب أو الأساطير التي ستذهب أدراج الرياح إذا كان للحقيقة المتعلقة بها أن تُجلى .ما يعنيه إدوارد سعيد هنا أنه ليس كل ما عولج في تلك اللوحات هو محض خيال لكن المبالغة العظيمة تعكس صورة مغايرة للواقع وهذا ما سماه سعيد ب"شرقنة الشرق"
وإذا كان للاستشراق مفاسد واضحة  وخيالات يكاد يخلو الصدق فيها فهناك مستشرقين منصفين اعجبوا بحضارة المسلمين وعظمتها وبهائها

أي تي ميلار , من مجموعة متحف فرحات
A. T. Millar, Farhat Art Museum collection

 كتبت اللايدى ماري مونتكاد Mary Montcade, زوجة السفير الإنكليزي في تركيا إلى شقيقتها تقول "يزعمون أن المرأة المسلمة في استعباد وحجر معيب, وهو ما أود تكذيبه فان مؤلفي الروايات في أوروبا لا يحاولون معرفة الحقيقة ولا يسعون للبحث عنها , ولولا أنني في تركيا , وأنني اجتمعت إلى النساء المسلمات , وإني استمع إلى أخبارهم وحوادثهم وطرق معيشتهم من سبل شتى , لذهبت اصدق ما يكتب هؤلاء الكتاب , ولكن ما رأيته يكذب كل التكذيب أخبارهم , ولا أبالغ إذا قررت لكإن المرأة المسلمةوكما رايتها في الآستانة أكثر حرية من زميلاتها في أوروبا ولعلها المرأة الوحيدة التي لا تعنى بغير حياتها البيتية , ثم إنهن يعشن في مقصورات جميلات ويستقبلن من يردن من الناس " ...

Martin Baer, Farhat Art Museum collection
مارتن بايير , مجموعة متحف فرحات

لقد سجل فنانون آخرون النساء وهن يقمن بالنسيج في ورشات خاصة، أو في بيوتهن، أو وهن يمارسن الفلاحة والزراعة، أو ينقلن الماء، أو يغسلن الملابس. أو وهن في الشوارع والأسواق، أو وهن يمارسن مهنة البيع، وغير ذلك من المشاهد التي تقدم المرأة الشرقية، بصورة موضوعيّة، خالية من البهرجة والمبالغات الخيالية، التي حاول بعض الفنانين الأوروبيين من خلالها، إسقاط أهوائهم ونزوعاتهم وأحلامهم، على الرؤية الأحادية الجانب التي نظروا من خلالها إلى الشرق، وكانت المرأة الجميلة، المثيرة بطلتها. وقد إقتنى متحف فرحات مجموعة كبيرة من هذه الأعمال المنصفة لتاريخ المرأة العربية ومنها لوحة أي تي ميلار A. T. Millar(1860-1913) لشارع من شوارع المغرب العربي, ولوحة المصرية  ل رودولف إرنست   Rudolf Ernest ولوحات الأخوان جورج ومارتن باييرGeorge Baer(1895-1971) - Martin Baer(1894-1961) , كما في لوحات غوردن كاوتس Gordon H. Coutts(1868-1937)   و لادويغ نيو  Ludwig Neu (1897-1980)  المعروضة هنا

تقول  اللايدي ايفلين كوبولد Lady E. Cobold:" لم تكن النساء (المسلمات) متأخرات عن الرجال في ميدان العلوم والمعارف فقد نشا منهن عالمات في الفلسفة والتاريخ والأدب والشعر وكل ألوان الحياة "

Gordon Coutts غوردن كاوتس
Farhat Art Museum collection مجموعة متحف فرحات 


1 comment:

  1. This comment has been removed by a blog administrator.

    ReplyDelete