Thursday, December 12, 2013

ذاكرة الصورة العربية , أرشيف البنك اللبناني للصورة

ضحى عبدالرؤوف المل 
الحوار المتمدن-العدد: 4303 - 2013 / 12 / 12 - 01:05 
المحور: الادب والفن 
     


ذاكرة الصورة العربية
تحتفظ الصورة بملامح الزمن والمكان، وتفاصيل الاحداث المؤرشفة بصريا بحيث تستطيع توثيق اجمل اللحظات واسوأها مع الاحتفاظ بجمالية من نوع آخر. لاننا كلما اجتاحتنا الذاكرة نعود الى ما احتفظنا به من صور. لتحيا الذاكرة من جديد، وتسترجع التفاصيل اللحظية الملتقطة بتقنيات عفوية او مدروسة. الا ان لروحية الصورة معاني مضمونية واسلوبية تدركها الحواس من خلال الرؤية التوثيقية التي تهدف لها الصورة ، وتمنح الاحساس بدفء الازمنة والامكنة التي تطورت، واحتفظت ببعض معالمها التصويرية البسيطة تعبيرياً، والمعقدة استراتيجيا وسياسيا، فتفاصيل الماضي تحملها الصورة اما بأمانة اعلامية صادقة، واما بتركيب لحظي يمنح التفاصيل المبطنة رؤية مقروءة مرئيا. لتوضيح ما هو مخفي عن الرأي العام أو بالعكس لاخفاء ما هو واضح للرأي العام .


تؤكد الصورة الفوتوغرافية او التشكيلية على الاختلافات البيئية او الاجتماعية، وعلى جمالية اللقطة المشهدية المؤطرة بموضوعية فكرية تحمل وجهة نظر محدودة او غير محدودة. تبعا للموضوع المطروح في الصورة المؤرشفة، والتي تبقى في ذاكرة الماضي ، كوثيقة تاريخية قيمة وغنية بالمضامين التي ربما نجهل مضامينها في الحاضر. لأنها تظهر ما هو مطموس الملامح كالابنية والاحياء، والتراثيات والوجوه بمختلف مراحلها العمرية، وحتى المناسبات الدينية والسياسية، والتأبينية والحروب والمجازر والافراح، وما الى ذلك من مناسبات مختلفة نسترجعها من خلال ذاكرة الصورة الماضية والحاضرة التي نحاكي من خلالها المستقبل، والنتائج الراسخة في ذاكرة البشرية المرئية فوتوغرافيا. الا انها لحظة فوتوغرافية التقطتها يد فنان يبحث عن المشهد الموضوعي وابعاده الفكرية والفنية. 
لحظات تستحق الحفظ في ذاكرة مرئية نستعيد من خلالها تفاصيل تندرج تحت تصنيفات مختلفة. تتميز بتصويرات مؤثرة ومحتويات تنعش العقل والعاطفة، وتدفع المتلقي الى تحليل ما هو مقروء ذهنيا. مما يجعلنا نرى حقيقة الصورة من خلال محتوياتها، والفكرة الاساسية المسلط عليها الضوء من حيث الابعاد والجمال، والعادات مع التفاصيل المرافقة لخبر ما اراد المصور له التخليد ، كالمرأة البقاعية التي تقطف الثمار من شجرة معطاءة، وهي تتكىء على السلم الخشبي. مما يثير الحنين عند الرائي، ويحفظ اللحظة وجمالها لامرأة تهتم بثمارها داخل المشهد الريفي المتماسك فوتوغرافيا والمقترن بالجمال التصويري . 



تحمل الصورة المصطلحات الثقافية المختلفة. لأننا نحتاجها في مختلف نواحي الحياة ، كتوثيق بصري يختزل الف كلمة ايحائية تتجسد في صورة تنشأ مقوماتها من جديد في كل عين تراها، وفي كل فكر يفك شيفرة رموزها او يكتشف من خلالها الخطأ التاريخي او التصحيح الزمني، لرؤية كانت مغلوطة في الماضي، واصبحت مفهومة بشكلها الصحيح في الحاضر، فهل تستطيع الصورة الفوتوغرافية تصحيح المستقبل؟. ام انها سلاح ذو حدين؟.ام هي تعبير يحتفظ بمكنون جوهري مع الزمن حيث تبقى المعالم والملامح كما هي ، بينما تندثر في المستقبل وتصاب بانزلاقات رقمية تمس الاسس الحياتية قبل موتها النهائي على يد التكنولوجيا التي تضيف الى الصورة تقنيات رقمية ذات تغيرات وتحولات في المفاهيم المعرفية والتجميلية، وكأن الصورة الفوتوغرافية الصادقة في الماضي ستختلف عن الرقمية في المستقبل. إلا انها في كلتا الحالتين تحمل موضوعا، وفكرة ورؤية تستطيع العين الفنية تحليلها وفهمها بوضوح معرفي وفني. 
يشير بيير فالان إلى أنه "بدون ذاكرة لا وجود لثقافة وبدون ثقافة لا وجود لحضارة وبدون حضارة لا وجود لتاريخ أو لهوية فردية كانت أم جماعية".فللصورة ابعادها المختلفة من حيث اهميتها في ارشفة الاحداث، وتحديد الزمن من خلال هوية المكان او الشكل العام الذي تتخذه الصورة، فالمشهد الترميزي يندمج مع الدلالات التي تتبلور في صورة تخاطب الحس الوظيفي وتجلياته المحدودة . لتظهر الصورة كأنها مقالة مرئية تستطيع بتفاصيلها قلب المقاييس المتعلقة بموقف ما ، كالمذابح وجرائم الحرب. مما يمكنها من محاسبة تاريخية لما تحمله من وضوح في الحدث المرئي بوصفها منظورة، ومحفوظة في ذاكرة لا يمكن محوها، فهي تتواصل مع كل زمن بوصفها وثيقة مؤرشفة لا يمكن التلاعب بها حتى بتقنيات الملتميديا او غيرها من الوسائل الحديثة الآن.كمجموعة بنك الصور اللبناني التابعة لمجموعة متحف فرحات، والتي تسعى الى الاحتفاظ بكل حدث خاطبته عين العدسة في مكان ما وزمان ما . لانها التاريخ والذاكرة باعتبارها شهادة حق للانسان في كل عصر وزمان ومكان، وحتى اللامكان حيث اللغة الافتراضية في زمن العولمة او لغة الافلام الوثائقية التي يتم حفظها في مواقع مختلفة كيوتيوب، وكصور متسلسلة ترافقها موسيقى تصويرية مؤثرة ، والتي باتت لغة مواقع تحفظ في ذاكرتها الكثير من التفاصيل التي يراد تخزينها . بوصفها تقنية سريعة الانتشار وتتخطى حدود الوطن العربي، لتتجه نحو الغرب بشتى الوسائل وحتى بمعارض الصور الفوتوغرافية التي تقام في كل حين. 



يتوقف الزمن في الصورة عند لحظة ما ، لتصبح فيما بعد الشاهد اليقيني لما حدث في الزمن الماضي، وهذا يساعد في تحليلات تقودنا الى تلافي الاخطاء المستقبلية مع امكانية حدوثها دون الانتباه ، كما يحدث مع الرؤوساء، وفي الحروب والمناسبات والاراضي الفلسطينية المحتلة او بالاحرى تلك الاماكن والاحياء الاثرية التي وضعت يدها عليها اسرائيل وبدأت فيها بعملية بناء محاولة تغير هوية الاحياء الفلسطينية الاصيلة، فالقدرة على الاحتفاظ بمعالم الماضي في المستقبل هي امانة الشعوب، فأرشفة الصورة هي فعل ثقافي يمنح الاجبال المعرفة بتاريخنا العربي. لانها تخاطب كل زمان بحقيقة حضارية سعى اليها الانسان منذ العصور البدائية حيث بدأ بتسجيل الاحداث اليومية بالرسم على جدران الكهوف، لتحاكي فيما بعد التاريخ بل ، ويمكن الحكم من خلالها على الاخطاء التي وقعت في كل زمن. 
تشهد الصورة على ثقافة البلدان ومعالمها وتواريخها، فهي ترسم ملامح كل زمن بوسائلها الفنية محافظة بذلك على المعنى الحركي للحظة الملتقطة ، كما في الصور القديمة لبيروت الموجودة في الموقع الالكتروني للبنك اللبناني للصورة التابع لمتحف فرحات، فالأبنية القديمة وطراز السيارات الموحي بالزمن مع صور صخرة الروشة، والتغيرات البيولوجية التي تجعل الرائي يقارن من خلالها على تغيرات الزمن وتحولاته مع المحافظة على رؤية اختزالات الكثيرة التي طرأت في الحاضر ، فاللغة الفوتوغرافية تخضع لمفاهيم فنية مختلفة ذات ارتدادات انعكاسية. لانها ربما تكون حجة مضادة اما سلبية او ايجابية. كما في صور المخيمات الفلسطينية، والموجودة ايضا في موقع بنك الصور اللبناني التابع لمجموعة متحف فرحات حيث نرى بيوت التنك المقصوفة مع العجوز، وحالتها التي يرثى لها ، وفي هذا ادانة للاحتلال الصهيوني واضطهاده الشعب الفلسطيني الذي تم تهجيره وملاحقته حتى الى المخيمات في لبنان والدول الاخرى .
قتل وتدمير وكتابة على الجدران ارشفتها الصور بفنية صادقة محفوظة في ذاكرة صورة عربية، ففي بعض الصور نلمح العجوز الفلسطيني جالسا على كرسي من القش وعصاه في يده توحي بالاصرار على الوقوف مجددا مع كتابات الغرافيتي القوية المعنى على الجدران، بالاضافة الى الاسلاك الشائكة، والتعبيرات المحزنة على وجه امرأة ممنوعة من الانتقال الى الضفة الاخرى مع الاحتفاظ بالكثير من الصور التي تظهر بؤس الحال والفقر، والموت، والمرض، والاستشهاد، واطفال الحجارة، وما الى ذلك من الصورة الكثيرة والمؤرشفة في موقع مجموعة بنك الصور اللبنانية .



تكتسح الصورة الفوتوغرافية اعلاميا مجالات واسعه لها اهميتها الخاصة في الماضي والحاضر . لانها تخاطب الحواس بعقلانية واعية بوصفها لغة خطابية تدخل الذاكرة التاريخية من خلال صورة تحمل ملامحها قيمة الحدث او الخبر او حتى الموضوع ، والفكرة التي قد تكبر او تصغر او ترتد ، لتستعمل فيما بعد كشاهد على الفعل الزمني الذي يستمد المعرفة من الدلالات التي تهيمن على الصورة المقروءة، والتي تجعلنا نتوغل في الماضي، فنلمس الحقائق من خلال صورة تخرج من الذاكرة، ويتم توثيقها بمقالة او نص او فيلم وثائقي هو بمثابة شاهد على العصر، باعتباره المشهد المتوقف زمنيا عند نقطة الحدث، كما في صور ثورة لبنان عام 1958 ، ومجزرة صبرا وشاتيلا ، فما تحمله كل صورة هي بمثابة احياء للحدث من جديد لما تحمله كل صورة من احداث غائية وقوية بحضورها المتجدد في كل مرة تراها في عين او يدركها العقل.
حين تبدأ البحث في ذاكرة الصوره تصاب بالدهشة من تأثيرات الوقائع المفرحة والمحزنة ، وقد تدمع الاعين وتبكي القلوب عند رؤية مجازر صيرا وشاتيلا عام 1982 بداية من التهجير الى الدخان والنيران المشتعلة، الى تشرد الاطفال والانساء، وحتى المظاهر المسلحة والانتهاكات الظاهرة في اكثر من صورة، فتتساءل وانت في الحاضر هل يعيد الزمن العربي نفسه مع اختلاف في بعض التفاصيل؟ز أم انه مكتوب على الامة العربية البؤس والحروب والمجازر؟. فهل لغة الصورة التي تحفظ الماضي في ذاكرتها هي الاقوى على جيل المستقبل الذي غابت عنه التعايش مع الحدث، فاستطاع التفاعل مع الحدث من خلال الصورة؟.
في صور الارمن المأخوذة من أرشيف المصور " كيفورك" تستريح قليلا عند اجتماعيات وعادات بعيدا عن الالم رغم ما اصاب الارمن من قبل من حروب ابادة، ومن مجازر سابقة. الا ان مجموعة البنك اللبناني للصور تركت لصور الارمن المؤرشفة من قبل المصور الارمني " كيفورك" لغة خاصة لها جمالياتها حيث التجمعات الاسرية، والاعراس ، والمدارس، والاطفال، وطقوس دينية وما الى ذلك، مما يجعلك تتامل ثقافة الارمن في تلك الازمنة مع الاحتفاظ بنماذج السيارات والازياء التي كانت تتواجد في تلك الفترة المؤرشفة في ذاكرة الصورة الفوتوغرافية. 
اسلوب تقني فوتوغرافي تحقق فيه الصورة اركان الجودة الفوتوغرافية من تكوين ، واشباع، واضاءة، ومرونة، وتأطير، وتوازن، وبساطة واندماج، وما الى ذلك. مما يؤثر على قوة التأثر والتأثير، وجذب البصر نحو النقطة الاساسية للفكرة ، كما في صورة العروسين رغم التدمير الذي اصابت المحيط من حولهم، وهذا الامل في الصورة هو الذي يعيد لنا الحوارات التأملية التي تدور في عقل الرائي للصور المؤرشفة، فهل سينسى العرب الحروب الصهيونية عليهم؟ والانتهاكات التي اصابت فلسطين؟ ام ان صور مجازر صبرا وشاتيلا وثورة لبنان ستحفظ في الذاكرة، لتصبح كارشيف له هوية خاصة هي بمثابة شهادة حق تجعل لاجيال المستقبل الاحتفاظ بحق العودة وتحقيق السلام العادل؟.
تحمل الصور في مجموعة بنك الصور اللبناني من مجموعة متحف فرحات ذاكرة لا يمكن محوها . لأنها تحاكي كل عين ترى، وكل عقل يدرك بتحليلاته ما ترافق كل صورة من حدث مرئي مؤثر . كما في صورة الجريح المصور الفوتوغرافي " نبيه ناصر" المحمول على ايادي رفاقه بينما توقفت من خلفهم حركة الحياة اليومية، وفي هذا توضيح لما يتعرض له المصور الفوتوغرافي من قتل وسجن وانتهاك لحقوقه الاعلامية فهل تنسى الشعوب العربية هذا؟.فهل الصورة هي تاريخ مرئي نستعيد من خلاله حق من حقوق جيل مضى ؟.ما من حدود للصورة الفوتوغرافية الشبيهة بوثيقة ننهل منها الحقائق ، ونقرأ من خلال تفاصيلها الفنية ما وراء الخبر. لانها بمثابة خبر مؤجل لزمن يعاود تجدده. مما يدفع الفكر نحو اهمية الصورة الاعلامية ثقافيا وفنيا، ومدى اهميتها في ارشفة الحدث ومدى قدرتها على مخاطبة الحضارات وجيل المستقبل القادر على تحقيق التوازنات بوصفه المؤتمن على الذاكرة العربية . 
http://www.lebanesephotobank.info/
من مجموعة متحف فرحات
بقلم ضحى عبدالرؤوف المل

Sunday, November 24, 2013

تشكيلات بصرية تحاكي الذهنية الفنية في أعمال ماري توما


ضحى عبدالرؤوف المل 
الحوار المتمدن-العدد: 4283 - 2013 / 11 / 22 - 23:34 
المحور: الادب والفن 
     
بيوت اللاتي لا بيوت لهن , ماري توما , مجموعات متحف فرحات 



تؤكد " ماري توما " على محاكاة الحركة البصرية من خلال التركيب الابداعي المتميز من حيث اللون والظل ، والتمثيل الايحائي الصادر عن الحركة البصرية ، بوصفها فنا يقوم على اساس العلاقات المتبادلة بين العناصر والوحدات ، والاشكال، والاحجام، وحتى الفراغات المصممة بعناية فائقة بحيث يرسم الظل تشكيلات بصرية . تحاكي الذهنية الفنية التي تؤلف صورها الابداعية من خلال ايحاءات تعطي فكرة حسية لها جمالية ابداعية تتكون من خلالها العاطفة اللاشعورية الجاذبة، والمدركة حسيا من الخيال.
يقول ابن سينا:" إن الشاعر يجري مجرى المصور فكل منهما محاك، والمصور ينبغي ان يحاكي الشىء الواحد بأحد امور ثلاثة: اما بامور موجودة في الحقيقة، واما بأمور يقال انها موجودة وكانت، واما بأمور يظن انها ستوجد وتظهر." تختزن “ ماري توما “ الرموز الفنية داخل مرئيات تشكل مشهديات تتصارع ابداعيا . لتتخذ من المنحى الفني مواضيعا ساخنة. تتناولها لاشعوريا من خلال اعمالها الابداعية التي تعتمد على الحركة البصرية الصامتة، وعلى الابعاد البنائية التي تنشأ عن ابعاد الحركة الانشائية، ومقوماتها الفنية المدروسة هندسيا وجماليا . لانها ترتبط موضوعيا بالمادة التأليفية التي تتسم بوظيقة تشكيلية واعية . يتسنى للرائي من خلالها استكشاف الجملة الفنية التي تريد قولها " ماري توما" من خلال اعمالها الناجمة عن معاني الاشياء المستخدمة او بالاحرى المواد الفنية، وقيمة مدلولاتها السيميائية من حيث الابعاد الفنية ، والمقاييس التصويرية المرهفة حسيا من حيث البنية التنظيمية، وتوازنات الكتل والفراغ المرتبطة بجدلية اللون والتركيب الانشائي .
فضاءات تخيلية تفتحها " ماري توما " للعين لتلتقط موضوعية الحركة الفنية، وعلاقتها بعناصر الوحدات الفنية التي تجمعها فلسفيا في فكرة تنطلق منها نحو تأويلات سيمبائية . الهدف منها خلق حركة ثلاثية الابعاد ، ورباعية ، وخماسية ، لتمنح اعمالها قيمة زمنية لا مكان لها تتجدد تبعا للرؤية الاجتماعية والفنية او حتى السياسية، كالأثواب السوداء التي ترمز الى التمسك بالسكن والارض، والوعي المنبعث من لون اسود جردته من الألوان الاخرى.
تتفنن " ماري توما " بأعمالها الفنية التركيبية فنيا، فهي تمثل حركة هي بمثابة نمو لعناصر تستخدمها في اظهار قيمة الخط، وان في الخيوط أو المعنى الاتجاهي لرمزيات تحتوي على مضامين متعلقة بالملمس ، والشكل، والاتجاهات ، والمسارات المفتوحة ذات الابعاد المنطقية. لبستكشف الرائي مع " ماري توما" مفاهيم الفن الحركي المرتبط بديناميكية الفكرة ، المتحررة من الفن التشكيلي مع تكرار تتشابه فيه المساحات المبتكرة من اثواب وكتل، ولون، وضوء، وظل ، وتغيرات مرئية تثير الذهن ، كجزء من عمليات الادراك التي تسعى اليها توما. لتترك المتلقي يفهم اعمالها الفنية البسيطة منها ، والمعقدة حيث الايحاءات بالصور المتعدةة المعاني، والايقاعات بوصفها رؤية فلسفية تثير الوجدان وتعصف بالذهن وتؤدي الى اثارة الفكر المتأمل جمالية اعمالها الفنية. 
تثير " ماري توما" البصر لتحرض الحواس على تجريد المعنى الايحائي، لندخل معها في فضاءات مرئية وعقلانية، وفنية نفصل من خلالها بين الاوهام والحقيقة. فالانعكاسات اللونية الناتجة عن حركة الظل في بعض اعمالها تختلف عن التركيبات الجامدة في اعمال اخرى ، فلكل منها دلالات حسية خاصة بالذهنية البصرية المرتبطة بالحركة الضوئية، والعناصر الفنية الموحدة المتجددة بفعل الزمن ، وما تعنيه المادة الفنية في تحقيق المعنى، فالابعاد الهندسية في اعمالها تعيدنا الى الماضي، ولكن بلغة فن معاصر ديناميكي وهمي المنشأ، وحقيقي التفاعل والتغيرات التي تنساب الى البصيرة بتؤدة واناة ، وكأنها تحاول بث رسالة تتمسك فيها بوطنها ، وارضها، وتراثها . مما يساهم في رسم صورة فنية ذات ابعاد وطنية لها جمالية الفن الذي يؤدي هدفه من خلال ابصال الفكرة بمرونة للمتلقي. 

حوارات جدلية عميقة الرؤية. تضعها " ماري توما" ضمن ضوئبات تعتمد على المنطق الحركي، وهندسيات ايحائية تتفاوت ابعادها واحجامها الفسيولوجية المرتبطة بفكرة فنية متحركة سيمتريا، تتماشى مع الشكل واللون، والفراغ الوهمي الكامن في التغيرات التي تضعها " ماري توما" في كل عمل ابداعي له دلالاته المعنوية، وتناقضاته المتزنة بصورة متناغمة وجذابة بصرية، فالتغيير الزمني في اعمالها يؤدي دوره الابداعي المرتبط بالتكوينات الانفعالية ، والاحاسيس المؤطرة بواقعيات استمدتها من فكرة البقاء المقترن بالتغيرات الزمنية الناتجة عن تطور الوعي، وصلابة التصوير من اجل منح التعبيرات الايحائية قوة استقراء تجعل المتلقي يتأمل ، ويتفكر بكل حركة ناتجة عن فراغ او عن كتلة او عن اشكال تتخذ قيمتها الجوهرية من فن يفيض بالمعاني المندمجة مع العناصر والوحدات الفنية المثيرة بصريا والمرئية تخيليا .
اتقان تصويري اتقنت " ماري توما" اخراجه بلغة فنية جميلة تعتمد على التركيب الابداعي او ( installation) والخيال الحركي، والمعنوي كدعوة لاطلاق الفكرة، وتحريرها من تشكيل مقيد بالخط واللون، والمساحة، والرتابة الفنية، فهي تركت منابع الرؤية تتجدد وفقا لمتخيلات حدسية ، وارهاصات تلخص من خلالها كل رؤية تبتعد عن الواقع، وتقترب من الخيال الديناميكي الحامل لخصائص انسانية غير محدودة بالمادة ولكنها ترتبط بقوة بالحركة والمتغيرات الفنية المتعددة المعاني.
أعمال الفنانة " ماري توما " من مجموعة متحف فرحات
بقلم ضحى عبدالرؤوف المل

Saturday, October 5, 2013

أعمال الفنانة نور بلوق, فضاءات بصرية مفتوحة هندسياً


المتاهة , زيت على قماش, نور بلوق 

تأخذ الالوان قيمتها عندما تلامس الخطوط الحركية حدة الضوء في أعمال نور بالوق الفنية حيث يتجانب لونان،  فتتراءى الاختلافات والتغيرات البصرية, وكأنها تتماوح ضوئيا، فتظهر الالوان وفق فروقات هندسية ازدواجية.  تتأرجح  تقنيا بين الداكن والفاتح, والثنائي والفرعي. بحيث تنسجم مع الخطوط الجيومترية وقدرة نفوذها من كثافة اللون او شفافيته،  لتبدأ الحواس بالمقارنة البصرية والبحث عن كل خط قسمته الفنانة باللون والفكرة والمضمون،  وفق ازمنة انتصفت في كل لوحة تميزت بألوانها القوية ضوئيا،  وبشفافية تعلو الكثافة التي في الطبقات الأولى من اللون.  تاركة للتوهج أن يترجم بسيميائيته المعنى المفتوح في لوحاتها التأثيرية، والقادرة على منح الذهن صفة جمالية تجعله يدرك قيمة اللون وتجاوره،  وتحاوره لما يحمله من تضاد متميز،  ومن ترابط يحقق للمعنى والمضمون،  والاسلوب قيمة تلبي حاجات المساحة داخل كل لوحة بوجه خاص.

الأمل في بنت جبيل, أكريليك وزيت على قماش , مجموعة متحف فرحات

ألوان سردية مألوفة للعين. إلا أنها بمعايير ذاتية تدعونا من خلالها  نور بلوق لتتأمل،  ولمراقبة حركة اللون المقترن بنفوذ الضوء الباحث عن الخط, حيث تتلاشى الابعاد وتنقسم الرؤية الى أقسام زمنية لا مكان لها،  ولكنها تحرر الفكرة من بوتقة الشكل, فنشعر أن اللوحة هي عالم الفنانة  الحقيقي.  لكنها لا تزال مقيدة بمضمون عميق،  لتؤكد اهمية وعي الفنان وقوة ادراكه في اخراج ما في داخله،  ليحلق مع الريشة واللون،  ويسعى في تحقيق الفكرة التي تتضمن الخيال والواقع والسرد،  فيستحوذ الضوء على اللون،  وعلى الحركة الهندسية داخل اللوحة،  فتتنافر الخطوط احيانا دون اكتراث بطبقات اللون الواحد او درجاته الطولية او التقنية الابداعية في مزج الالوان الحارة والباردة. ليتكون المشهد التشكيلي من اللون في الظاهر.  الا أنه في العمق تجتمع الثيمات المعرفية لنماذج ينطبق عليها فن التصوير الحقيقي.  كما في لوحة قنديل البحر التي تجمع فيها رموز اللون مع رسموز الفكرة الرمادي والاحمر،  لتظهر الأنثى وكأنها قنديل بحر تتراءى أمامه العوالم الغامضة،  لتؤدي ريشة نور بلوق الايهام الحركي الثلاثي الابعاد، والتضاد المرئي لمستطيلات لو تأملتها لأحسست أنها كالمرايا الواسعة ضوئيا, والضيقة بالمساحة والشكل.

اسراء, أكريليك على قماش, مجموعة متحف فرحات 

فضاءات بصرية مفتوحة هندسيا،  تساهم في اثراء اللون والخط والشكل والفراغ والضوء، لتجمع  بلوق  بين التجريد والواقع, والخيال والفنتازيا، والحداثة المعاصرة لتقنية اللوحة التشكيلية, التي تبدو غارقة بالايحاء والرمز حينا, وبالواقعية التصويرية حينا آخر.  الا أن المزاجية في اظهار الخطوط تتراوح بين السيمترية،  والتحليل الجيومتري القادر على منح القياسات اختلافات تتناقض فيها الاشكال الرومانسية،  والعاطفية والعقلانية لنشعر بانطباعية مؤثرة على الحواس،  وبواقعية تدعو العقل لمحاورة الالوان الاساسية،  وترك الالوان الثانوية لرومانسية تقاسم الذهن التحليل،   والحواس ملامسة الطبيعة الجمالية في اعمال تميل الى الوضوح احيانا،  والى الغموض في تكوين الخطوط التي تحمل فكرا حياتيا.
انفعالات حادة في تمكين اللون من  المساحة المغطاة،  بخطوط عقلانية تثير العاطفة التي تخفيها  نور بلوق في المستطيلات الممدودة, والنزعة الفنية المتمردة على المدارس الفنية التي انتزعت منها الاسلوب،  ومنحت لوحاتها قوة الفكرة المعششة في مضمون اللون،  والتباينات وشدة السطوع والخفوت،  والانتقال السريع من حالة الى حالة،  ومن محاكاة الى خلق جدلية تعكس التوهج والرتابة, وتوازن بين الخطوط العشوائية والمنتظمة،  والالوان وموجاتها الطولية،  والضوء وانعكاساته الظلالية الشفافة،  والقادرة على اثارة الحواس وتحفيزها لفك شيفرات كل حركة وخط ولون, لتؤلف اللوحة قطعة فنية تهدف من خلالها  الفنانة  الى ايصال فكرة للمتلقي تعالج من خلالها موضوعاً حياتياً.
أبعاد وهمية تنعكس على المسطحات،  وتعتمد على النشاط اللوني المثير للذهن،  والقادر على خلق ترابط حسي بين المتلقي واللوحة،  والمعايير الجمالية الكامنة في درجات النصوع,  وتماسك الموتيفات التي تضفي على الشكل صفة خارجية جمالية، لكي تساعد على تحقيق تقارب بصري بين الفكرة الشديدة العقلانية،  وعلى اللون ومؤثراته العاطفية من حيث الاحمر وشدته، والاصفر ونقائه, والازرق وشفافيته،  والرمادي الحيادي المندمج بغرابة مع الالوان الاخرى . المتغيرة من حيث القيمة الازدواجية لمفهوم الغامق والفاتح في لوحاتها الفنية المحاطة بطبقات لون خلفية وامامية  مما يؤدي الى الاحساس بالانطلاق،  والقوة, والثبات، والمفاهيم الفنية الميالة الى التلألؤ.

كهيعص ,أكريليك على قماش, نور بلوق

تنظيم انطباعي لوضعيات الوان تجريدية.  تنبسط وتتمدد على السطوح المغايرة بصريا، ووظيفة الرؤية التشكيلية للخط واتجاهاته،  والمسارات الهندسية الوهمية التي اتبعتها  بلوق لتنعطف بالمفهوم الفني نحو الازداوجية البناءة،  والموضوعية المتناقضة مع الذات المتناغمة ايقاعيا,داخل كل لون بتماثل مبهم،  وبامتزاجات مشبعة ضوئيا،  وبدرجات اشراق تحبب للرائي اعادة النظر الى تفاصيل اللوحة اكثر من مرة،  فالألوان ذات الطول الموجي المنخفض  تخفف من حدة الاحمر المشتعل في لوحة «الانتفاضة» كما أن الخربشات العشوائية في هذه اللوحة تمثل الصراعات الغير مفهومة فكريا،  والمختلفة مزاجيا من حيث الخصائص الفنية والمعايير الجمالية.

الإنتفاضة , أكريليك على قماش, مجموعة متحف فرحات 

شفافية تعلو سماكات لونية, تزدهي بجمالية تحافظ عليها «نور بلوق» لتعطي اللوحة مرونة تجريدية،  توحي بانطباعية مكثفة وعمق رؤيوي ثلاثي الابعاد،  ومتنوع التعبيرات الخيالية التي تعتمد على تبسيط المشهد الفني،  ومنحه وجودية تنعكس على المعنى العام الذي تتبعه الفنانة نور بلوق  في اغلب لوحاتها الايحائية الواعية تجريديا, والحادة بخطوطها العامودية،  والموحية بتجاور المساحات المختلفة،  والفواصل القريبة والبعيدة المتوافقة مع حركة البصر،  وهندسية كل خط متمم للاشكال التي تمنح الرؤية العامة القدرة على تذوق كل لوحة تركتها «نور بالوق»  تحاكي وجدان الرائي،  وكل عين تتابع خطوطها والوانها،  والعمق الحركي الذي حددته من خلال الغوامق والفواتح، والبعيد والقريب. مما يجعلها تحتفظ بخصوصية اسلوبية في مفاهيم اللوحة التشكيلية. 
 ضحى عبدالرؤوف المل

Sunday, September 22, 2013

أعمال المصور محمود الزيات : ترجمة الحدث بلغة فوتوغرافية



تتماشى أعمال الفنان “محمود الزيات” الفوتوغرافية مع الابعاد الجمالية للمعنى القادر على اظهار الفروقات التوافقية بين صورة وصورة، للتبلور اللقطات المؤثرة التي تحدد خصائص فنية، وفق تناسب وهمي يغلب عليه المضمون المتصل بخيوط انسانية تتمثل في اظهار المأساة اللبنانية لحرب تموز، وما جرى فيها من ويلات، محاولا قدر الامكان التقاط التفاصيل الموجعة التي تختفي احيانا اعلاميا، وتظهر عبر الصورة الصادقة والعين التي تسلط الضوء على المضمون. بغض النظر عن الاسلوب ومنظوره الهندسي، فالعين التصويرية ” لمحمود الزيات” متعلقة وطنيا بروح العاطفة والعين الابداعية، واتجاهتها المتفاوتة بين المعاناة وقوة المشاعر، والانفعالات وسلبياتها وايجابياتها، فالصورة في اعمال ” محمود الزيات ” تتكلم بلسان الضوء المتباين والواقع الحقيقي دون اللجوء لتفاصيل اخرى مبطنة، وهذه عين الكاميرا القادرة على الاستطلاع ، واظهار الواقع كما هو دون اللجوء الى تكنيكات هندسية او مرئية. انما ترجمة الحدث بلغة فوتوغرافية تلغي الابعاد اللونية ، وتجرد الصورة من الفواصل لتمنحها عين جديدة هي عين المتلقي .



ابداع تقني وفني في توسيع البؤرة الضوئية، لتلتقط العين بعدستها ما هو قريب وبعيد في آن دون اللجوء الى التأليف الفني. انما هي صورة صحفية بحتة تلتزم فنيا بالابعاد، والمساحات الواسعة وقوانين الضوء النهاري والليلي، والالوان التكوينية للصورة القريبة والبعيدة والسريعة او بالاحرى المترجمة للغة الحدث، والتي تحتوي اكبر قدر ممكن من المفردات الفنية الايحائية ، كتلك التي نرى فيها اسرة مهجرة في مدرسة، واطفالها ينامون داخل المقاعد، بينما الرضيع هو في حضن امه ووطنه الاول الام، ليتشرد داخل وطنه ومع عائلته، وما زال في طور النمو، فالصورة تعبيرية عن واقع يبرز فيه التشرد داخل الوطن نفسه، والعلم المركون كالمقاعد الموضوعة فوق بعضها البعض، ليستطيع المكان احتواء الازمة كما احتوت العدسة مجموعة العناصر الفنية في صورة استوقفتني فعلا. لان اتساع العدسة الضوئية اقترن مع التعتيم المتوازن لتظهر الصورة على طبيعتها ودون مراعاة للتجميل الرقمي او الحذف والزيادة.



ابعاد داخلية وخارجية تظهر الترابط الابداعي في صورة عجوز تتأمل الحجر امامها، وكأن الركن الاساسي لبيتها قد وقع. لنتساءل في انفسنا اليس الانسان هو الاغلى من حجارة داره ؟.ام ان حجار الوطن تعاني كما الانسان من التساقط والانهيار، فهل المعاناة الانسانية هي وليدة تاريخ يتجدد ويترك من البقايا ذكرى نضعها في البوم تاريخ الحروب الاسرائلية التي تشن ضد الانسانية، لتشهد الاعين كما العدسات على القهر والقوة التي تهدم الاوطان، وتشرد الانسان داخل وطنه، ولتبقى الصورة عين على الحقيقة التي لا تضيف اي محسنات فوتوغرافية لها، ولكن بجمالية واقعية تجعلنا نشعر ان للحروب سريالية تظهر جشع وبشاعة العدو، وقوى الشر التي تباغت العجائز والاطفال والرضع، فهل ننسى لا تقطعوا شجرة؟.ام نمسك بالعدسة ونلتقط كل الاوجاع الانسانية؟



تقف متأملا صور الفنان الفوتوغرافي ” محمود الزيات” وانت مشتت البصر ، محاولا لملمة الجزء من الكل، وكأنك لو جمعت صور حرب تموز مثلا ! لرأيت الكل يبحث عن ذاته، وعن الوطن المفقود داخل دائرة المعاناة التي تركت السيارات والابنية والتشرد المكتمل الاركان من حيث الخراب والدمار! اي الجماد كما الانسان، وكأن العدو يتعمد تمزيق البنى التحتية وتمزيق الانسان، فتظهر الصورة تعتيمية ضبابية مؤثرة على الوجدان الوطني، وتدفعنا نحو البحث عن بقعة لا خراب فيها او بالاحرى فراغ بين الاجزاء المتشابكة، والمعقدة في صورة احتل الخراب فيها حتى الفراغات اللونية التي غالبا ما تشعر انها بألوان غبارية، وكأن الانفجارات حدثت الآن .

يمتلك ” محمود الزيات” الحس الوطني المتغلغل داخل عدسة تجعلنا نقرأ اخبار الحروب المدمرة، والاوضاع الفلسطينية داخل المخيمات وما تعانيه تلك الفئة الفلسطينية الموجودة داخل لبنان، والتي تتم ملاحقة امنها وانتهاك حتى الفقر الذي تعانيه المخيمات الفلسطينية. لتزداد المعاناة تأثيرا معتمدا بذلك على البصر التحليلي والتفكيري والادراكي القادرة على الاستنتاج والفهم من خلال صور الاطفال خاصة ، كاحتراق وجه طفل يتماثل للشفاء، فهو النقطة الاساسية في الصورة حيث ان العدسة هنا اعتمدت على التكبير والتوسيع والمباشرة في القاء الضوء على انتهاكات حقوق الاطفال، فالاب الذي يبكي كطفل في حضن ابنه تختصر الف معنى مؤلم جرى في حرب سوداء.



وضوح تصويري متفاوت الفروق يحقق للفكرة وصولها الى حواس المتلقي، ليتفاعل معها بوجدانه ومفاهيمه الانسانية ، فنشعر بحرية الصورة ومصداقيتها. كما نشعر بالقيود الصعبة التي تخطاها ” محمود الزيات” قبل ان يلتقط بعدسته المتحررة من كل شىء الانسان اولا، وما يعانيه من تفاصيل حياتية يتعرض لها، ومن حروب تشن على الضعفاء، وتترك امكنة الاقوياء كما هي لا تزحزحها انفجارات او تهشم صورتها عدسة تبحث عن تحقيق المقاييس الفوتوغرافية فقط او عن هدف اعلامي مشوه الحقائق، وهذه ميزة في عدسة ” محمود الزيات” وهو نقل الواقع فوتوغرافيا وبمساحات تتسع لعين المشاهد.

يقول بيكاسو:”ان الفنان لا يكون في واقع الامر في حالة من الحرية كتلك التي يجب ان يتظاهر بها..ان الفنان يحيط به العديد من القيود، وهي ليست دائما من القيود التي يمكن ان يتخيلها الانسان العادي.لان ” محمود الزيات” لا يبحث القيمة الجمالية للصورة الفوتوغرافية فقط. انما يبحث عن سيكولوجيا فنية تحقق اجتماعيا وظيفة صحفية تعرض الواقع المرئي، وتظهر ابعاد الحروب والنتائج السياسية. لكل حدث سياسي سلبي او ايجابي، ليعكس المؤثرات الفوتوغرافية، ويضعها في عين الرائي بمصداقية . كما هي في كل جزئياتها الفوتوغرافية ، ووببصمة واقعية تظهر المعاناة الانسانية ونتائج الحروب السيئة على الاوطان.

أعمال الفنان محمود الزيات من مجموعة متحف فرحات

بقلم ضحى عبدالرؤوف المل

Friday, September 6, 2013

أعمال الفنان غوردن كاوتس.. تصوير الواقع برؤية فنية إستشراقية


Gordon Coutts, Farhat Art Museum collection غوردن كاوتس من مجموعة متحف فرحات 


يحاول «غوردن كاوتس» تصوير الواقع من خلال رؤية فنية استشراقية تتصف بمنهجية، تتنوّع فيها جمالية الألوان التي تترجم لحظة زمنية التقط فيها غوردن تفاصيل الأمكنة، وكأنها تراثية النظرة وشمولية اللون، والخط، والحركة، والفراغ، والمساحة المفتوحة، لمشهد شرقي يتسع لتفاصيل دقيقة الملامح، ومجسّدة فنيا بأسلوب واقعي لا يخلو من مخيّلة تعبيرية طرحها تشكيليا من خلال اللون المتضاد، والمتميّز ديناميكيا فالمعالم الشرقية في لوحاته تتميّز بالأقمشة الملونة والقوية ضوئيا وجمالياتها، والوجوه وما تحمله من تعبيرات تزيد اللوحة اشراقا، والرؤية ابعادا تجعلنا نتأمل كل حركة وظلها، والضوء المتدرج من قوة الى خفوت وبالعكس، فدرجات اللون الأحمر والأصفر تمتزج مع برتقالي يتناسق مع الأخضر، ليظهر بصفاء على الزي الشعبي، وبمقاييس فنية تمنح البصر متعة الاستكشاف للأسس الفنية  للمشهد التشكيلي بوصفه رؤية انسانية لحالة اجتماعية.
مقاربات رؤيوية لصيقة بواقع الحياة، ومتلاحمة شكلا ومضمونا مع انماطها اجتماعية وسلوكيات ترتسم على حركات الوجوه، فالنضوج الفني في لوحات «غوردن كاوتس» تظهر من خلال رشاقة اللون وشفافية الأبعاد المؤدية لرصد الحركة الضوئية وانعكاسات الظل حيث ترتسم الانحناءات المتناغمة مع الخطوط اللونية بشكل عام. فروعة التكوين التشكيلي في أعمال كاوتس تعتبر هوية جمالية تتميّز بها أعماله المرتبطة بالإنسان في الشرق، ومعالم بيئته المنسجمة مع الزمان والمكان، ولريشة تتوق الى بث الألوان مباهجا خاصة من حيث التفتيح والاشراق، والتوهج ملتزما حسيا بالبورتريه التي تظهر معالم الوجه الشرقي، وان برؤية غربية تتطلع الى الشرق والانسان المستوطن أمكنة شبه صحراوية، أو تميل الى الألوان الساطعة والقوية في اللباس أو للون أبيض يظهر نوعية من الناس ايضا، تختلف من حيث اللباس مع الإشارة الى النخيل، والى أمكنة تختلف فيها ألوان البشرة التي تميل الى السمرة والمتناسقة ايضا مع الفضاءات الخيالية، لواقع ترك فيها القوة الوجودية للون أبيض مميّز مثير ذهنيا، ويبث ثقة تلغي الغموض فيها، فتواشيح الألوان وتكنيكات مزجها تجعل المتأمل لها يغوص في أعماق التفاصيل والحركة والمساحة، فيشعر بأجواء المكان المتجدد لان لغته المرئية ذات معطيات تؤرخ لاجناس بشرية خاصة بالشرق وتراثه اللوني.

Gordon Coutts, Farhat Art Museum collection غوردن كاوتس من مجموعة متحف فرحات

يظهر «غوردن كاوتس» قدرة  على خلق تآلف حسي يهدف الى منح قيمة جمالية لتصاوير رؤيوية مؤثرة وجدانيا، وجذابة جماليا. فهي تحمل نفحة زمنية ومحاكاة فنية، لمشاهد متعددة من الحياة رسمها «غوردن كاوتس»  بتفاصيل واضحة المعالم، وتنطق بدلالات ايديولوجية تجسّد مقومات مجتمعات شرقية، برزت في تكثيف اللون المستوحى من فواتح لونية تتميّز برقة تركيبية تسيطر على الخطوط وأبعادها الهارمونية الدقيقة فنيا، فهي تعج بالموتيفات وتشكيلاتها التفصيلية المتباعدة والمتقاربة، المرتبطة أيضا بالبيئة والمناخ وعلاقة الإنسان الشرقي بذلك.
رصانة في سمات تشكيلية تزدحم الألوان الألقة فيها، والأشكال المتأثرة عاطفيا بتفصيلات أظهر انفعالاتها بتقنية واقعية،  وتعبيرية متأثرا بجماليات انعكست على لوحاته انطباعيا،  فالعناصر الفنية المؤسلبة سيميائيا تفتح الخيال نحو استراحات ذهنية، تترك الحواس في حالة من استدراك لكل اختصارات لجأ إليها «غوردن كاوتس» هندسيا ليخلق توازنات بين اللون والشكل، والفراغ،  والمساحة،  والضوء،  والظل، والسطوع المغموس بتحوّلات لها ألوانها المشرقية الخاصة، وبزهو الانسان وفلسفته الذاتية النابعة من فطرة وعفوية، ترعرع عليها وتركته يحتضن الطبيعة الوجودية مشرقيا من خلال لوحات تحمل نفحات استشراقية، وتقنيات لونية تأخذنا الى عوالم التصوير الواقعي، ولكن بريشة فنان معشقة بلون أبيض يدعو المتلقي الى الحوار والتأمل والاستمتاع.
رؤى فنية استشراقية ذات معايير جمالية لها تصويراتها السيكولوجية زمنيا، فخصائص الجماليات في لوحات «غوردن كاوتس» تحاكي التعبيرات الممزوجة بمشاهد غنية سينوغرافيا، ومتباعدة فراغيا،  فالثراء الموضوعي ممتع بصريا وفكريا وحسيا بسبب اعتماده على نسب معينة تدرَّج فيها باللون والخطوط، والمساحة، والسطوع، وترك اللوحة كمشهد استعراضي مفتوح على تأويلات فلسفية متعددة بتوليفاتها المتنوعة في لوحة واحدة، فالمرأة ذات البشرة السوداء والوشاح الابيض الممزج بألوان أخرى تتقارب وتتباعد تكنيكيا من حيث الشفافية والكثافة والتآخى مع الألوان الأخرى. فالمرأة تحتضن طفلا تميل بشرته الى اللون الابيض بدرجات تنعكس من خلالها الألوان الأخرى من حولهما، مع اختلافات في الظل والضوء ولون يدها المتناقض مع لون نستمتع بمزيجه على ثوبها الشرقي الزاهي بألوانه المشرقة، فالابعاد بحد ذاتها تضفي طابعا تصويريا تتضارب فيه الأساليب الفنية من واقعية وتعبيرية تركت للبورتريه صفة إيجابية ثرية بالعناصر والموتيفات والتباينات الدينامية التي تمنح الفكر أبعاد رؤية «غوردن كاوتس» بالشرق ومن فيه.

Gordon Coutts, Farhat Art Museum collection غوردن كاوتس من مجموعة متحف فرحات

دمج لوني ازدواجي، تمخض عنه تأثر وتأثير بالايقاع الموسيقي، المصبوغ بنغمة حركية تروق للبصر، ويستسيغها الحس الفني بتمايز تنجذب له الحواس وفقا لقياسات هندسية، وأبعاد سيمترية تشكل أساسا لوجود الألوان الحارة والباردة في لوحات تمثل جزءا مهما من الحياة والبيئة المناقضة باجوائها للغرب. بوصفها شديدة العاطفة اللونية وواقعية المشهد المرئي، وابداعية بتنوّعها البانورامي، لما تتميّز به من سلاسة بصرية يستمتع بها المتلقي عندما يتأمل تفاصيل كل لوحة مسرحية في تشكيلاتها، وتكوين الحركة التعبيرية على وجوه شخوصها المستمدة شرقيا من تراث فلكلوري فني او اجتماعي بحت، فالانماط الفنية الاساسية تضعنا امام تساؤلات ذهنية تعصف بالوجدان، فهل يستطيع الفنان الغربي   التقاط الظواهر الفريدة في الشرق، وما تحمله من ألوان مخلوطة بسطوع يبعث البهجة في النفس؟ ام ان الاثارة البصرية هي سبب في تصوير الواقع الشرقي بكل تفصيلاته وجزئياته الجمالية؟ أم ان غوردن «كاوتس» يحمل فكرا انسانيا يهدف الى تصوير جمال الانسان في اي بيئة تواجد فيها؟
أعمال الفنان «غوردن كاوتس» (gordon coutts) من مجموعة متحف فرحات.

ضحى عبد الرؤوف المل