Sunday, December 11, 2011

جيراردو غوميز : الغرابة غير المحتملة , بقلم الدكتور فريد الزاهي


الفنان جيراردو غوميز

يكفي أن تقع منا العين على لوحة من لوحات الفنان السلفادوري جيرالدو غوميز كي نقع في فتنة مضاعفة: الجاذبية الكبرى التي تمارسها على المتلقي لوحاته والفتنة السديمية التي تحبل بها أعماله. إنه فنان بالغ التميز لأنه يشتغل في برازخ تاريخ الفن من غير أن ينصاع كليا أو جزئيا لمداراته وتحولاته، صانعا لنفسه لغة تشكيلية خاصة، منها وبها وعبرها يعيد ابتكار العالم ويشرح عنفه ويستشرف آفاقه.
ولأن غوميز فنان عصامي فإنه يبدو وكأنه يمتح من رحم الأمومة وعالمه الخاص مجمل أدواته، بعفوية لا نستطيع تقدير مدى عمقها، وبطلاقة لا يمكن إلا أن نندهش لعنفوانها وبقوة تصيب منا مقاتل الرغبة والعشق. وهو لذلك يقدم لنا عالما غريبا آسرا، يضج بالصور والألوان والكائنات، ويضج بالحكايات والصراخ والعنف. إنه عالم بكل معاني الكلمة ينحته الفنان في فورة هلوساته، معيدا تشكيل الوجوه والأجساد، مازجا بين الواقعي والسوريالي والهذيان المسترسل، زاجا بالمتلقي في لُجّة التحولات، بحيث إننا ما إن ندخل اللوحة حتى نعيش في دوامة من الخطابات البصرية واللغوية التي ترمي بنا في أعماق وعي ولاوعي الفنان، بصخبه وثرثرته ومداراته الحلزونية.

مدارس الفن , مجموعة متحف فرحات


وغوميز فنان متمرد، لا على المجتمع ومشكلاته فقط وإنما أصلا عن الفن. إنه متمرد على طريقة مسرحيي الشارع والفنانين المنبوذين، لأنه يعتبر أن المدرسية في الفن مصنوعة للبلهاء والمعتوهين. وهو لا يعبر عن ذلك فقط ضمنا وإنما في لوحة (مجموعة متحف فرحات) يمنحها هذا العنوان، ساخرا من تاريخ الفن ورموزه. فتراه يمنح لفان جوخ صفة فنان الجدران في الشوارع واضعا بين يديه قنينة رشاشة للألوان، وتراه يجسد الموناليزا في شكل امرأة حولاء تشبه بطابعها الكاريكاتوري امرأة هندية تلبس حذاء بكعب عال... إن هذا الطابع الساخر الذي يطبع أعمال غوميز، يبدأ من الفن نفسه باعتباره فنا جميلا، ليرمي به في سلة المهملات بلامبالاة لا رجعة فيها. إنها سخرية مرحة أحيانا حين تستعمل الطابع الكاريكاتوري لهذا المبتغى وتتطرق بطريقة هجائية لمعطيات سياسية عالمية، ومأساوية أحيانا أخرى حين تلامس قضايا كمأساة سجن أبو غريب (لوحة بالعنوان نفسه، مجموعة متحف فرحات)...

أبو غريب , مجموعة متحف فرحات


وهذه الهجانة هي موطن تبلور أسلوب الفنان. إنها هجانة تشكيلية لأنها تمتح مصادرها من رسوم الشارع ومن فن البوب ومن الواقعية لجديدة ومن السوريالية... وهي أيضا هجانة تعبيرية لأنها تجمع في لوحة واحدة ما يمكن أن يعبر عنه فنان آخر في سلسلة من اللوحات. من ثم تغدو اللوحة موطنا للتقاطعات والتشاكلات والتداخلات والتشرنقات والتحولات المدوخة التي تجعل بصر المتلقي ينتقل من موضوع لآخر من غير سابق إعلام ومن تعبير لآخر ومن أسلوب لآخر في اللوحة نفسها. إن هدف غوميز هو أن يدعونا من البدء للغطس في عالمه مثلما قد نغطس في بركة آسنة لا صفاء فيها فنلاقي فيها سقط متاع الطبيعة والبشر وقد أخذت صورا مغايرة. وهو بذلك يجعلنا تدريجيا نستأنس بكائناته الكابوسية التي تمارس التشويه والتحويل على كل ما نملكه في ذاكرتنا البصرية من شخصيات سياسية عالمية ومن رموز بصرية (دوناد، ميكي ماوس...) ومن رموز "حضارية". كل شيء في اللوحة يغدو في خدمة الاحتجاج والتنديد بالحرب وأشكال الاستعباد والتوسع وقهر الشعوب المستضعفة.

جيراردو غوميز ,مجموعة متحف فرحات

ولهذا الغرض لا يتنكف الفنان عن مس رموز كونية كتمثال الحرية. إذ يجسده في وضعية ماجنة مستعرضا ... وجعل بوش في صورة شيطان بقرنين، ودوناد في شكل سفاح... (لوحة الإمبراطورية النشيطة). يلتقط الفنان المتمرد كل شيء ويعبر عنه بطريقة الملصق ويجاور في عالمه بين الكتابة والتصوير. إنه يمزج بين كل المعطيات حتى لتبدو في كثير من الأحيان أشبه بصرخة مجنونة، هو الفنان المعادي للنظام، لذي يجد في الفوضى ضالته الفنية وفي التنديد والاحتجاج طريقه إلى قول ما يمور في بواطنه. لهذا فإن العددي من لوحاته تلاقي الاستهجان من قبل الكثير من الأوساط، لأن الفنان لا يعرف المهادنة ولا يجد نفسه إلا في طريقته المميزة المبنية على المبالغة والتهويل وعلى عدم رسم الحدود الحمراء التي يمكن أن تقف عندها تعبيريته.
ثمة شيء طفولي يفتن المتلقي في هذه اللوحات: إنها تلوينيتها التي تستقيها من عدم تفضيل لون على آخر بحيث تصير اللوحة لديه أشبه ببانوراما لونية لا مجال فيها إلا لحضور الألوان المباشرة ولغياب التلاوين. والفنان بذلك يؤكد الطابع الخام لفنه والذي يتشارك فيه مع أصحاب هذا الاتجاه ومع البوب آرت والفن المتوحش. هذا الطابع الطفولي يبدو مفارقا كل المفارقة للطابع العنيف أحيانا الذي يجعل غوميز لا يتوانى في التركيب والتهجين لقول ما يمور في دواخله. فهو يلصق مثلا شارة النازية ووضعيتها لقادرة سياسيين قد لا تصل بنا الجرأة السياسية العقلانية لأن نتهمهم بذلك.



هذه المبالغة هي ضرب من التفخيم، وهي الخصيصة التي تتميز بها أعمال هذا الفنان المشاغب شكلا ومضمونا بحيث تنطبع أعماله الأخيرة بنزوع إلى الكشف لا يتورع فيها عن الدفع بأسلوبه إلى حدوده التعبيرية القصوى، كالجمجمة التي تخرج منها الكائنات الهلامية والجسم المسلوخ الذي يحتل وسط اللوحة وتتبدى منه العضلات في عرائها القاهر... وكأننا بالفنان، وهو يتابع تطوير أسلوبه المركب هذا، يدعونا إلى أن نتبنى معه المنظور التالي: لا حقيقة فنية وتعبيرية إلا في مباشرتها الآسرة، ولا مباشرة إلا في تنويع المنظور وتخييل الموضوع، ولا موضوع إلا منظورا إليه من جميع جوانبه.
لهذا فهذه الأعمال وهي تتناول موضوعات متعددة في لوحة واحدة تقوم بالربط بينها بما يشبه الحبل السري، أي من خلال تركيبات متواترة ومتغيرة، بحيث يتجاور الموضوع السياسي العالمي مع التعبير الشخصي الذاتي مع كل ما يمور في ذات الفنان.
يستوحي غوميز في هذا الأسلوب طرائق فن الجداريات كما تبلورت في المكسيك وغيرها منذ القرن الماضي وفي ذلك الارتباط الخصب والحي بين الفن والتعبير السياسي. إنه يكمل سلالة قلة من الفنانين العالم ثالثيين الذين لم تستهوهم السوق ورهافة الفنون الجميلة فانساقوا وراء سليقتهم الفنية ليذكّرونا بأن الفن ليس فقط متعة جمالية وإنما موطنا أيضا للرغبة السياسية الجامحة وللتمرد. فاللوحة أيضا ميدان للاحتجاج ضد الظلم في مختلف مظاهره، وضد الحرب وأهوالها، والاضطهاد وكوارثه، وهي تشرع أبوابها لهذه الأحاسيس الجماعية كي تجد فيها موطنا خصوصيا ينبض بالحيوية وبالمتعة الهادفة.

د. فريد الزاهي
كاتب وناقد فني. المغرب
  

Saturday, December 3, 2011

مروان طحطح.. عين ترى الفرح وتفرح لرؤيته

مروان طحطح.. عين ترى الفرح وتفرح لرؤيته
 أورنيللا عنتر02/12/2011

مروان طحطح

على الرغم من أن إشارة سير تتيح الاتجاهين قد تبدو لك غير مفيدة، لكنك مع ذلك، تقف أمامها حائرا. إشارة سير تتيح لك الاتجاهين، اتجاه مجهول لا تحتضنه الصورة، وآخر لا يحمل إلاّ آثار حرب مضت. ومع ذلك، كلّ من الاتجاهين متاح. لكن الخيارات ليست دائما متاحة، كما في هذه الإشارة. لكي تهب وجهها للبحر، تضطر امرأة محجبّة لأن تدير ظهرها لكلّ ما لا يلتقي مع زرقة البحر. لكي يقف بشموخه أمام وجه من بيروت، يدير تمثال ريّاض الصلح ظهره لوجه آخر من المدينة. قلّما تسمح لنا الحياة أن نأخذ نحن فقط. لنا حصّتنا، ولها حصّتها منّا.سجّادة حمراء هي سجّادة حمراء، هذا كلّ ما في الأمر. أما سجّادة حمراء وقدمان صغيرتان أنهكهما السير حافيتين في أحياء المنطقة، فلا يمكن إلا أن تكون سجّادة صلاة. لكنّها، في مشهد آخر، قد تصلح لأن تكون سجّادة في غرفة الجلوس، ترافقها رجلان صغيرتان لصبيّ يشاهد الرسوم المتحرّكة. وفي كل مشهد شيء من القدسيّة.سلسلة فضيّة حول عنق امرأة. حذاء أسود رفيع الكعب وقدمان عاريتان. بعض الحميميّة لا تفضحها إلا الأجزاء. الأجزاء فقط.أحد لم يسألها رأيها.

مروان طحطح


 لكنها، في تلك اللحظة، لم تمانع. النحّات الذي قرر تعرية منحوتته والكشف عن نهديها لم يفكّر أنها، خارج محترفه، ربما تشعر بالخجل. على درج مار نقولا في الجميزة، رفعت المنحوتة يدها وسترت بعض عريها.الإشارة والسجادة والفتاة العارية وغيرها الكثير تفاصيل التقطتها عدسة المصور الصحافي مروان طحطح في أنحاء مختلفة من المدينة، لينقلها لاحقا إلى معرض "Out of Focus"، الذي يستمر لغاية السابع من كانون الأول الجاري، في مبنى "كونكورد" في بيروت.بدأ مروان طحطح عمله كمصوّر صحافي في جرائد ومجلّات لبنانية عدة، ليلتحق بالزميلة "الأخبار" عام 2006، حيث لا يزال يعمل حتى اليوم. شارك مروان في العديد من المعارض الجماعية، لكن "Out of Focus" هو معرضه الفرديّ الأول. عندما خطرت فكرة المعرض على باله، كان من المفترض أن يلتقط بعدسته تفاصيل حياة يوميّة. لكن الفكرة توسعت شيئا فشيئا لتحتوي صوره على "شطحات"، كما يسمّيها هو.بحسب مروان، لا يتبنّى معرضه موضوعا معيّنا بقدر ما هو مجموعة قصص: "كل ثلاث صور أو أربعة هنّي مع بعضهم قصة". أما التسمية، Out of Focus فاختارها لأن معرضه يخرج عمّا هو مألوف بالنسبة له، أي بالنسبة لمروان طحطح المصوّر الصحافي. برأيه، عين المصوّر الصحافي قادرة أيضا على التقاط الفن أينما وجد وكيفما وجد. هذه العين لا تلتقط الحرب والمآسي فقط، بل هي أيضا عين ترى الفرح وتفرح لرؤيته. ويشرح: "بكون عم صوّر تظاهرة بيمرق شي صغير، ما خصّو بالمظاهرة، بلتقطه".أما عن مكان العرض، في الطابق السابع عشر في مبنى الكونكورد، فيشرح مروان أنه اختاره لوقوعه في قلب بيروت، في مكان "حقيقيّ": يطّل على الباطون الذي غالبا ما يتصف بالبشاعة، ويطّل على البحر أيضاً. و"بين البحر والباطون، أنا بشوف الشي الحلو والشي الحقيقي".   
http://shabab.assafir.com/Article.aspx?ArticleId=5379&ref=1

Sunday, November 20, 2011

عرقسوس في خان الصابون! بقلم هاني نعيم

علي سيف الدين , مجموعة البنك اللبناني للصورة

هاني نعيم
قد لا يتكرّر هذا المشهد إلاّ في مدن معدودة. لكنه كثيراً ما سجّل في مدينة طرابلس التي تستمرّ في الحياة بطريقتها الخاصة.

وقد تبدو الصورة مألوفة بالنسبة إلى كثيرين، في حين أن آخرين كثر أيضاً قد يظنّون بأنها التقطت في ستينيّات أو سبعينيّات القرن الماضي، باعتبار أن هذا المشهد لا يُذكّر إلا بالزمن القديم. ولعلّ أبرز ما يدل على ذلك، هو بائع العرقسوس. ملابسه التقليديّة إلى حدّ ما. السوق الذي يبدو عتيقاً. الازدحام الذي يضج بالحرارة.. والليف الخشن الطبيعي الذي أصبح محدود الانتشار في مراكز التسوّق وقد استبدل بالليف المصنع .
في الواقع، الصورة ليست قديمة قدر المتوقّع. وقد التقطتها عدسة المصّور علي سيف الدين في خان الصابون في مدينة طرابلس، عام 2003. هي توثّق إلى حدّ ما أحد المشاهد اليوميّة للمدينة التي لم تنهشها الحداثة بعد، والتي حافظت على خصوصيّتها على الرغم من التحوّلات التي تشهدها المدن في كل بقاع العالم.
فطرابلس تعتبر واحدة من أكثر المدن محافظة على طابعها التراثي. أسواقها ما زالت نابضة بالروح القديمة، من سوق النحّاسين والصياغين (سوق الصاغة، للذهب والمجوهرات) مروراً بسوق البازركان (سوق الأقمشة) وسوق حراج وهو السوق المسقوف الوحيد في المدينة، وصولاً إلى سوق الكندرجيّة (محلات بيع الملابس) الذي يُعدّ الأكثر ازدحاماً وسوق العطارين (سوق العطارة). هنا، المهن اليدويّة والحرفيّة ما زالت حيّة تقاوم الغزو الصناعي.
وتأتي هذه الأسواق إلى جانب الخانات التي تقع في وسط المدينة والتي تشكّل مركزاً اقتصادياً وتجارياً لها، إذ تعتبر مواقع لبيع وشراء وتخزين البضائع. أما أبرز، وربّما أقدم، هذه الخانات، فهو خان الصابون حيث التقطت هذه الصورة.
يعود تاريخ خان الصابون الذي يعرف أيضاً بإسم "خان العضيمي" إلى عام 1480، حيث كان يستخدمه الجيش العثماني كثكنة عسكريّة. لكن، وبطلب من سكان المدينة المحليّين، تم تحويله إلى مصنع ومتجر للصابون. وهو ما زال يُنتج حتى يومنا هذا حوالى 400 صنف من الصابون. ويصنف ذلك كإحدى أقدم وأشهر الحرف التي عُرف بها سكان طرابلس على مدى آلاف السنين.
أما بائع العرقسوس الذي يحمل إبريقه وطاساته النحاسيّة، فيعرفه بالإسم أصحاب المحلات التجاريّة وسكّان المدينة. نجده حيث تكون الحركة.. حيث الناس. لذا لن يُضيّعه أحد. هو هنا، وهناك. يتجوّل في الأسواق والخانات المزدحمة بالناس ويروي عطشهم بطريقته الخاصة.. بكأس من العرقسوس البارد الذي يتمتّع بفوائد صحيّة مختلفة. فيُضفي على المشهد اليومي حميميّة خاصة، بشكله ونبرته وملامحه التي تشبه إلى حدّ بعيد ملامح المدينة.
وبيع العرقسوس من المهن التي كانت تتناقلها العائلات أباً عن جدّ، وهي اليوم مهدّدة بالإندثار كغيرها من المهن اليدويّة والحرفيّة. فهذا المشروب الذي يستوجب تحضيره نهاراً كاملاً وطريقة محددة جداً، يمكن لأي كان أن يحضّره اليوم عبر شراء بودرة جاهزة من أي محل تجاري. لكنه يبدو أن هذه المهنة لن تندثر في الآونة القريبة، خصوصاً وأن مدينة طرابلس ما زالت مستغرقة في تراثها كواقع تحياه وليس كماضٍ سحيق تعرضه في المتحف .

Tuesday, October 25, 2011

سطوح تصويرية تعنى بتعبيرية التجريد..في أعمال كاظم نويّر

كاظم النوير , مجموعة متحف فرحات
قدم العقدان الماضيان أسماء مهمة في الحركة التشكيلية العراقية..تأتي أعمالهم من منطقة الغموض في تاريخ الثقافة العراقية طوال سنوات الحرب.. والقتل ..والقلق..أسماء مثل : كريم رسن ..وضياء الخزاعي وفاخر فاخر ..وعاصم عبد ألأميروكاظم نوير ,وأسماء شتى تشي بأسلوبية فردية مؤثرة في فهم حركة التشكيل في العراق الآن . فبعد أن كانت التشكيلات والجماعات تؤسس لأتجاهات جديدة ..تأتي التجارب الحديثة لتقدم أساليب وتجارب فردية مختلفة هي سمـة العمل التشكيلي اليوم حيث تشكل ألأساليب الفردية مصدرا لمفاهيم وجماليات. .وأتجاهات أيضا .
( 1 )
يعود كاظم نويّر الى مرجعيات محلية في أقتناص موتفات وأشكال ورموز أيقونية من محيط خصب وقد يبدو ألأمر شخصيا هذه اللحظة إذا قلت أنني حرصت أن تكون بضعة أعمال من نتاجه ضمن مجموعتي الشخصية من خلال متابعتي لمعارضه وأعماله..وأبرزها لوحة ( حكاية من الديوانية ) ..هنا متن حكائي يوصل تشخيصات ميثولوجية عبر اللون والسطح حيث يتحول البصري الى رمزي والعادي الى مجرّد والظاهري الى جوهري ..فهويستكنه كل داخلي ليظهره عبر علاقات بنائية لاتشي بألمعنى لكنّها تقوّم المعنى بأليماء والرمز ..والتجريد .
أنا لا أحكم على تجربة نوير من ثرائها بل من تنوع أسلوبي حرص ـ كما يبدو ـ أن يكون لصيقا بتجاربه المتعددة..( منذأواسط الثمانينات يشارك في معارض شخصية وجماعية في العراق والعالم حيث توجد مقتنيات من أعماله في مدن شتى/ كان قد أنهى دراسة الدكتوراه والماجستير في اواسط التسعينات / وحاز جوائز عدّة / ويمارس دوره التدريسي في جامعة بابل ) وبرغم التغييرات الكثيرة التي يضفيها الفنان على إسلوبه غير إنه يحرص بقوة لتجسيد خواصّه الفنيّة :
تفتيت خزين الرؤية..وإطلاق إمكانات السطح التصويري على مزج رموز شتى لموضوعات مختلفة بشكل يخدم فكرة واحدة ..وإفراغ عدته البصرية في عمل واحد دون أن يستنفد تلك العدّة. وهو معني ، لتعزيز طاقة التعبيرية في التجريدات المتلاحقة ، من أجل أن يفضي الـــى بنية خاصة ..هي بنيته السردية التي تتكثف فيها الرموز..وتتشظّى الرؤية الى أنساق مفضية الى خطاب اللوحة:المفردة التشكيليّة..المساحة وكتلتها البصرية ..وألأنفعــالالقيد بعي الوظيفة.

كان كاظم نويّر مكثّفـا لمخزوناته ذات الدوافع السوسيولوجية..فهومن بيئة توسطت بين حضارات طينية في الجنوب القريب من الديوانية ..مدينته التي يفرد لها قوة موحية خـاصة
وبين حضارات فخار وخزف في بابل ..ومدارس تصوير في واسط وبغداد في العصور المتأخرة.
وهو في نفس الوقت يلتقط تلك الموتفات التي تضمّها البسط ..وألفرشة ..وألألون التي تفرغها طقوس البيئة ألأجتماعية..دائما هناك ألوان مفرطة في سخونتها ..ودائما هناك ألوان مفرطة في شحونبها ..والحالتان هنا تعبير عن شحنات أنفعالية شاركة الفطرة في تكثيفها من ألأحر الصارخ وتدرجاته الى ألأصفر الصحراوي الشرقي .. هذه التعبيرية التجريدية ـ التي تسم أعمال العديدين ـ عند كاظم نويّر هي عنصر مهم لأعادة خلق مخزون رؤيوي فاجع ..وكبير ومتنوع في حياة أجتماعية يشكل ألأسى مصدر اللون ومصدر البصيرة ومصدر ألأبداع أيضا .

( 2 )
ألأرتجال عند كاظم نوير خاصية أيضا ..فهو معني بألآنيّ ..ومعني بالعادي واليومي ..وفي نفس الوقت يضج بأنفعالات كبرى ..تشتغل على منظومات وعيه ..ولذلك فأن السردية عنده ليست نتاج تلك ألأنفعالات السريعة المفضية الى ألأرتجال ..لأنه في عمله يظهرأرتجالاته المشخصة للجوهر المكثّف..الجوهر المحمّل بتفاعلات الداخل البسيط رغم قوة الوعي ودلالة الرمز..
يعطي باشلار المكان طاقة التأثير خارج الوظيفة حين يشكل المكان البنية الوجدانية للأبداع والتي يصعب فصلها عن أنشغالات الفنان وأعماله بشكل عام ..والبعد المكاني عند كاظم نويّر هو
بعد إحالات وبعد كشف زمني لتسلسل الحدث وتأثيراته في طبيعة المكان .لقد أعتنى في معارضه الشخصية ( 87/88/89/98/2000 ) أن يسمح للتداعيات ..أن تكوّن ميثولوجيا اللوحة ..أليست هي ميثولوجيا العقل المبتكر لطاقات الترميز وألأفراغ في سرديات مطولة تأخذ طبيعتها الملحمية من زمن لاينتهي يأخذ فيه العقل كل إمكانات السرد والبناء..
إنه في خواصه الجمالية يرسل خطابا تصويريا..لايخضع لمنطق متسلسل بل يميل أكثر الى إخضاع السرد للخواص الحكائية..وهو إذ أعتمد ذلك في معارضه الشخصية ـ إذا لم أقل معظمها ـأنما
يفرد خواصّا لحرفته وموقفه في آن معا ..ولكنه في مساهماته في المعارض المشتركة ( من 99 الى 2000 أكثر من خمسة عشر معرضا مشتركا ) يقيم أتساقا مع خواص مجايليه ..أو أنه يميـل
الى ألأتساق الفني في ظهور مشترك لمجموعات تريد أن تظهر موقفا حداثيا ..ورؤية مؤسسة..
ولــكن بأساليب فردية خاصة ترفض النمط وتخرج على قوانين الحداثة . إنه يحاول أن يؤسس فرديته ..كما ألآخر ..ولكنه يتضامن عبر فترات قاسية فيميل الى إظهار تقاربه وتواصله مع أساليب..وتقنيات..وأفكار مجموعات مشغولة في النحت لتعزيز الدور الثقافي للفن التشكيلي في بيئة سياسية وتربوية وأجتماعية تفتقد الى لياقة التقارب والتآلف مع العمل التشكيلي حيث يكون في أفضل ألحوال الفهم التزويقي المسطح لدور الفن التشكيلي ..والرغبة في توظيف التشكسيل
كعنصر وظيفي لايقبل التغريب أو التعارض مع مكونات الحياة المسطحة ..وهذا الموقف ألأجتماعي يعبر ـ منذ زمن ـ عن جهل بألمكونات الحضارية التي تتضامن لبناء الوعي الحديث
وتوكيد بنية العقل وخواصه اليوم .
أن الفنان التشكيلي كاظم نويّر يطرح عمله التشكيلي بكثير من الغموض من أجل خلق جدلية بين طاقة الفن التشكيلي على خلق عناصر الجوهر وتشغيل الوعي وبين المتلقي الذي يفتقر الى إمكانت ساندة لخلق الفهم الحضاري للتشكيل ..وألأمكانية الممكنة لفك دلالات الخطاب التشكيلي وتأثيراته في الحياة الثقافية عمومـا..

فاروق سلوم